• الأحد , 13 أغسطس 2017

رمضان الأحساء……حياة يومية تعيش الجديد وتحن للقديم

الأحساء الآن -واس:

لا تختلف ” الأحساء ” بأجوائها الرمضانية عن بقية المحافظات والمدن بالمملكة ، حيث تعود فيها بعض العادات والتقاليد المشهورة خلال هذا الشهر الكريم ، التي تبدأ بالزيارات مروراً بتبادل الأطباق الرمضانية ، وانتهاءً بحضور الفعاليات والمناسبات المتنوعة .
ففي صورة بانورامية ، تتحول حياة الأحسائي الرمضانية إلى يوميات نشطة من خلال حركته وسيره ، ووجوده وانتشاره في الأسواق والمجمعات التجارية لقضاء احتياجات والمستلزمات الرمضانية من الأغذية المختلفة والأطعمة واللحوم ، حيث يبقى ” سوق القيصرية ” بتصاميمه ومعماريته الجديدة السوق الأبرز الذي يقصده المتسوقون لشهرته الواسعة واحتوائه المستلزمات الشعبية والقديمة ، وتلبيته لحاجات المتسوقين ، فعبق الماضي لهذا الطراز المعماري ، وتحفته الهندسية ، وحلله القديمة ، مازال يأسر قلوب الأحسائيين .
وعلى الجانب الآخر من السوق تقوم بعض المحلات ببيع الفوانيس والمصابيح الملونة ، التي تأخذ أشكالا متنوعة تشتهر ببيعها في هذا الشهر الكريم ، لما فيها من دلالة على الأجواء الرمضانية ، ونفثة من نفثات الروحانية الخاصة ، حيث يقول محمد السلمان ” إن الفانوس الرمضاني أصبح جزءا من حياتنا اليومية الرمضانية ، نضعه أحيانا على مائدة الإفطار ، ليضفي من خلاله جواً رائعا يسبب ارتياحا للجميع ، والبعض الآخر يعلق هذه الفوانيس على أطراف المنزل ، وهي عادة وإن قلّت في الآونة الأخيرة ، إلا أن بعض البيوت مازالت تحتفظ بها وبغيرها من العادات والتقاليد التي تتناسب مع هذه الأجواء “.
ولا يقف الأحسائيون على الأسواق والعادات الشرائية فحسب ، أو ارتياد المطاعم الشعبية والاستراحات الترفيهية ، فالرحلات البحرية والبرية أصبحت حياة أخرى تستمتع فيها العوائل والشباب لتناول وجبات الإفطار أو السحور ، خصوصا عندما يكون الطقس معتدلاً والأجواء باردة ليلا في ظل حرارة الصيف الملتهبة ، فشاطئ العقير أحد أبرز المعالم الطبيعة في الأحساء ، لا تهدأ طرقاته من الحركة المستمرة ، فنظرة واحدة على مدار الشاطئ يشاهد فيها عددٌ كبيرٌ من العوائل والشباب التي افترشت عدتها ولوازمها وأخذت مكانها للإفطار ، مع إشعال نار هادئة جانباً تجهز فيه بعض المشروبات الساخنة كالشاي والقهوة ، حيث توضع على الجمر لفترة زمنية قصيرة ، وهي طريقة طالما اشتهر فيها الأحسائيين وبعض الدول العربية .
في حين يفضل الآخرون الجلوس أعلى التلال الرملية ، أو ما يعرف بـ ” الطعوس” ، وهو ما تجده من خلال الخط الدائري الذي يربط القرى الشرقية بشاطئ العقير عبر طريق رملي كثيف يشق القرى بالشاطئ ، حيث تجذب هذه ” الطعوس ” الرملية العديد من الشباب والعوائل للإفطار من مختلف المدن والقرى

وعلى الجانب الآخر تجد عدداً من الشباب لا تروق له تلك الرحلات البحرية والبرية ، ممن يفضلون قضاء أوقاتا ممتعة بالمقاهي الشعبية المنتشرة بين المزارع والنخيل ، وكذلك في الاستراحات التي تتفاوت في تقديم الخدمات لزبائنها ، من المأكولات الشعبية ، والمشروبات الباردة أو الساخنة ، ويضفي على ذلك تبادل الحديث والأخبار ، أو مشاهدة التلفاز ، والدخول إلى عالم الانترنت ومناقشة الموضوعات الحياتية اليومية .
ولا يخفى على الجميع تلك الموروثات والكنوز الشعبية ، التي لازال يحتفظ فيها الأحسائيون ، مثل ظهور ” أبو طبيلة ” كما يطلق عليه ، و يقوم بالسير بين الأحياء والأزقة الضيقة ، ودق الطبل بعصاته الغليظة ، ليصل صوته خارقا الجدران ، لإيقاظ النائمين لتناول وجبة السحور قبل آذان الفجر ، وهذه العادات تعد من كنوز التراث التي تناقلت جيلا بعد جيل ، وأصبحت علامة مميزة للشهر خصوصا لدى الأطفال الذين يستمتعون بمشاهدته وملاحقته مرددين معه بعض الأهازيج والأناشيد التي تأخذ طابعاً دينياً .
وخلال ” ليلة الناصفة ” أي منتصف شهر رمضان ترى المشهد الأحسائي داخل الأزقة والأحياء مغايراً لبقية الأيام الماضية ، حيث تتظاهر حشود الأطفال احتفاء بـ ” القرقيعان ” ، ويرتدون فيها الملابس الأنيقة والأزياء التقليدية ، ويحملون أكياسا ، يجوبون فيها الشوارع والأزقة ، وهم يرددون الأهازيج الشعبية ، ليحصلوا على نصيبٍ من الحلويات والمكسرات ، وبعض القطع والهدايا النقدية ، معبرةً عن هذه المناسبة الكرنفالية التي اشتهر فيها أهل الخليج ، وتعد من الموروثات الشعبية القديمة ، حيث تتزين البيوت بأجمل القطع والأقمشة خلال هذه الليلة ، وتشعل الأنوار والإضاءات الخارجية تعبيرا عن الفرحة .
ويرى باحثون أن ” القرقيعان ” سمي بذلك لأنه كان في الماضي عبارة عن سلة كبيرة مصنوعة من سعف النخيل ، تسمع فيها قرقعة الحلوى والمكسرات بداخلها ، أو مأخوذة من قرقعة الأطفال للأبواب ، أو من بعض الأدوات التي يستخدمونها وتسمع لها قرقعة .
إلى ذلك لا تنقطع الأحساء خلال الشهر الفضيل عن إقامة الصالونات الأدبية التي اشتهرت فيها المنطقة كحركة دائبة للحراك الثقافي والأدبي على مدار العام ، وفي إطلالة المشهد الثقافي الرمضاني لهذا العام تتنوع الأنشطة الثقافية في الصوالين والمجالس الأدبية ، والنادي الأدبي ، وجمعية الثقافة والفنون ، واللجان الاجتماعية ، والأندية الرياضية ، من إقامة المحاضرات والندوات والأمسيات ، كذلك بعض المراكز والجمعيات والمؤسسات الاجتماعية التي تقوم بنشر التوعية والثقافة العامة .
ومن العادات الاجتماعية التي يتميز فيها الأحسائيون طوال الشهر الكريم ظهور تبادل الأطباق و الأطعمة الرمضانية بين العوائل والأسر والجيران ، وهي من العادات التي يحتفظ بها الأهالي ويعتبرونها جزءا تقليديا ونسيجا من حياتهم الاجتماعية ، ودعماً للتكافل والتعاون الاجتماعي ، ويسعى كل شخص أن يظهر طبق طعامه بصورة جميلة وشهية وبشكل جذاب ، وبجودة وذائقة لذيذة ، تتخلل بعض هذه الأطباق الزينة ، ويتم توزيع هذه الأطباق قبل أذان المغرب ، حيث بدأت عددٌ من القرى والأحياء في تخصيص يوماً كذلك للإفطار الجماعي ، يدعون فيه جميع أهل القرية أو الحي ، ويتكفل كل شخص بإعداد طبق واحد بحسب استطاعته .

وتشتهر الأحساء بالعيون والبرك المائية الكبيرة ، التي كان لها أثر في إضفاء أجواء رمضانية لمرتاديها ، حيث كان العديد من الرجال والشباب يغسلون أنفسهم ويسبحون فيها قبل دخول رمضان ، وهي عادة تتكرر سنويا ، بيد أنها تراجعت في السنوات الأخيرة , ومن أشهر هذه العيون عين الحارة ، والخدود ، والجوهرية ، وأم سبعة وغيرها من العيون .
وتكثر خلال الشهر الكريم المسابقات والدورات الرياضية بالمنطقة من خلال فرق الحواري ، حيث انتشرت في الآونة الأخيرة ملاعب كرة القدم داخل المدن والقرى ، وأصبح السائر في الطرق العامة أو الداخلية يشاهد هذه الملاعب المزروعة والمغطاة بالعشب الأخضر ، مما ساعد على إقامة دورات رياضية قوية لكرة القدم ، يتجمع حولها مئات الشباب من عشاق الكرة ، حيث تم تصميمها بشكل رائع تدور حوله الشباك الحديدية ، وتضيء جنباته الأنوار بصورة عالية ، مما يلفت نظر المارة .
ويحيي الكثير من سكان المنطقة خلال رمضان بعض العبادات التي تختص بهذا الشهر الفضيل ، من صلاة التراويح والقيام ، وبعض الأدعية والأذكار ، وقراءة القرآن ، فينظم البعض وقته لقراءة القرآن ، أو مطالعة الكتب الدينية ، والتواجد في المساجد ، والعمل طوال الشهر في اللجان التطوعية ، وكفالة الأيتام , وغيرها من النشاطات الدينية العديدة .

مقالات ذات صلة

اضف رد