صحراء البحر

مقال بقلم: مها نصار الدوسري

هل هي حقيقة علمية ؟ أم عنوان لمقال بدافع التشويق ؟ 

الإجابة كليهما معا. 

هناك علميا صحراء البحر ،حيث غالبية الكـائنات الحية فيها شبه منقرضة تماما ،ولا يوجد فيها إلا الحوت الأزرق سيد الأعماق ،القوي الذي انتصر على نفسه ، وجازف بالبقاء في مساحات مائية نادر الحصول فيها على القوت .  

أتساءل هل يعيش العزلة مجبرا أو مستمتعا ؟ بل كيف تكيف في دورته الحياتية ؟ 

وبعيدا عن كل البحار والمحيطات ، نجد في عمق  الصحراء القاحلة نبتة الصبار ،التي ما إن نراها إلا ونشعر بالحر والعطش ،وهي بشموخها صامدة ، فهي في الظاهر ساكنة ولكن جذورها تتبع أي قطرة ماء قابعة في باطن  الصحراء لتضمن لها الحياة .  

الحوت الأزرق في محيطات قاحلة من الغذاء . 

ونبتة الصبار في صحاري خالية من الماء . 

وكلاهما يوحي بالصمود والتمتع بالسيادة ، والتحكم بالظروف وكلاهما انفرد في نمط حياته وآثروا العزلة ، ليثبتوا أن المكان ليس بجغرافيته بل بروح من يعيش فيه، وأن القاعدة في ضمان استمرارية الحياة (هي التكيف ). 

فأين البشر من هذا المفهوم ؟ لماذا ما أن تتغير أحوالهم إلا ويصاب هذا الإنسان بالهلع والجزع ، ويرفض الوضع ،ويوصد باب البدائل، ويقرع ناقوس الخطر ،ويحتضر ويرمي بنفسه في أحضان الموت ،وما الاستسلام إلا حيلة الفاشل للوصول سريعا إلى محطة الانتحار.! 

الأمر الذي أوجد بعض البيوت تأن من المصائب طويلة العمر دون حل ، ولسان حالهم  أنهم صابرين ، وهذا لعمري هو الاستسلام والخنوع ،المعضلة  في الفهم الخطأ  لمفهومي (الصبر والاستسلام) للأسف كبيرة ، فالغالبية العظمى يعجزون عند كل عقبه تصادفهم وكأنها سدا منيعا لاستمرارية الحياة ،فنجد من يلطم ويحزن ،ومنهم من يركن إلى التوقف والانكسار ،والعامل المشترك في كل هذه الأوضاع هو القعود عن العمل ثم التخاذل والكسل وهذا هو مربط الفرس . 

بينما القلة والندرة ممن يتقبل هذه العقبة ويتكيف معها ، فتلوح في سماء الفكر عنده حلولا،  تقتلع العقبات من جذورها لتحولها إلى فرص يتغير بها الحال نحو الأحسن مصلحة والأفضل منفعة . 

والسر في هذا هو التكيف .  

(الاستسلام والتكيف ) معادلة عميقة لا يفرق بينهما الكثير للأسف . 

باختصار الصبر تكيف وعمل ،  ولنا في نبتة الصبار والحوت  الأزرق دروس ،ياليت تعيها بعض النفوس.

مقالات ذات صلة

9 تعليقات

  1. حليمة خالدي
    29 ديسمبر، 2017 في 10:59 مساءً رد

    بصراحة شدني العنوان و أبهرني التحليل و المقارنة و أعجبني تفكير الكاتبة ذكاء و إبداع سلم فكرك أستاذة مها و نفع بعلمك

  2. شريفة الشهري
    29 ديسمبر، 2017 في 11:14 مساءً رد

    جميل يالمهيا ومبدعة كالعادة ؛حركت الركود في الموضوع ؛وصاحب الهمة يحول صبره لأنموذج سعادة بواقع اسمه التعايش مع الصعاب صبراً كي ننال السعادة في باقي مربعات الحياة قوة وضعف وفرص،والصبر يبقى بخانة التهديد واي امر مهدد يبقى التعايش معه في حدوده دون توسيع رقعته هو قمة السعادة؛
    وهي الحياة كذلك عندما نحجم دور الامور الصعبة جدا
    ونستمتع بحياتنا بكل اقتدار؛
    تمنياتي لك ايتها الشامخة مها بالتوفيق والسداد
    والرفعة دنيا وآخرة؛

  3. مريم الملحم
    30 ديسمبر، 2017 في 12:04 صباحًا رد

    الربط بين الحوت الأزرق ونبات الصبار والتكيف مع الواقع الذي نعيشه؛ ربط لا يقدر عليه إلا كاتب فذ مثل أم سعد ، فنحن بحاجة لمن يبث فينا الطمأنينة .

  4. عزة آل عثمان
    30 ديسمبر، 2017 في 12:13 صباحًا رد

    أحسنت أخت مها ، اتخذت مثال رائع للحوت و الصبار، بالتوفيق وإلى الأمام دائما وأبدا

  5. سعد بن دخيّل الدخيّل
    30 ديسمبر، 2017 في 12:33 صباحًا رد

    فعلا كما نسجت هذه المبدعة في مقالها الذي سبكته كالذهب بين ذلك الحيوان وتلك النبتة مع جغرافية وجودهما فالإنسان أحق بالتكيف كيف لا وقد استودع الله في الكائن البشري عقلاً يميز به ويفكر به ويحلل الوقائع والأحداث وبالتالي يرسم للذات البشرية طريقاً ليهرب من خلاله من المصائب والملمات.
    نعم نحن نحتاج للصبر والتفكير ولانستسلم للظروف المحيطة بسهولة ونضع سيناريو نجاح يغلفه الطموح والإصرار

    مقال مبدع من مبدعة يحفز على الإبداع

    دام قلمك سيدتي
    سعد

  6. سماهر سعود
    30 ديسمبر، 2017 في 2:33 صباحًا رد

    سلمت أناملك وسلم تفكيرك
    انتقاؤك للموضوع و كلماتك المعبرة
    تتحدث بلسان الواقع وتجدد فينا الأمل

    دمت لنا ذخراً أُخَيَّه

  7. د.محمد بن حمد الحسن
    30 ديسمبر، 2017 في 6:02 صباحًا رد

    ٰ
    ‏جزاك الله خير وأكثر من أمثالك ،،
    ‏مقال متميز وجميل يلخص الواقع برؤية ثاقبة من كابتة مبدعة فمن أسرار النجاح البدايات بالإرادة والتكيف، انطلقي وفقك الله.

  8. زكية الصالح
    30 ديسمبر، 2017 في 10:47 صباحًا رد

    ماشاء الله
    تبارك الله
    حين تنطق الحكمة
    جلّ السلامة النفسية أن يعيش الإنسان حالة التكيف الواعي مع تمحيصات الله واختباره ليصل الانسان إلى جمال التكامل الإنساني دون أن يتنازل عن قيم السماء
    فيكون في دوحة الرضا الإلهي
    ويكون من أهل الصبر المتبصر المسؤول ذو السعي المشكور
    لا الجبن والخنوع البائس

    اللهم زِد وبارك من نور البصيرة ونور العلم
    واجعل في ذلك هداية ورشاد
    وقبول منك يارب
    هنيئا لكم هذا الإبداع الشفاف

  9. سميرة عبدالوهاب الموسى
    30 ديسمبر، 2017 في 9:47 مساءً رد

    ولنتذكر دعوة الخالق سبحانه لعباده المؤمنين ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين )
    سورة البقرة 153
    ففي الصبر والصلاة حياة أخرى لايدرك معناها إلا من ذاقها وتحلى بها ، ومعية الله سبحانه للصابرين أعظم تكريم وموفق ومعين
    مقال مميز كعادتك أ. مها

اضف رد