«الخُلع».. الظاهرة في ازدياد مخيف!

2

الأحساء الآن – متابعات :

الخلع في طبيعته عقد ثنائي يقوم على اتفاق بين الزوج والزوجة، بحيث تدفع الزوجة للزوج مبلغا من المال لقاء طلاقها منه، ويتم ذلك بإيجاب وقبول ويشترط فيه ما يشترط في إنشاء الطلاق بالنسبة للزوج، وما يشترط في عقود المعاوضة بالنسبة لكليهما، ومن هنا فإنَّ التكييف القانوني للخلع أنَّه كالطلاق على مال.

وأمام منح المرأة حق الخلع وبعد سنوات طويلة وزمن بعيد من ممارستها هذا الحق، فإنَّها تبقى أسيرة أحكام غير منصفة على الأغلب، إذ تبقى الأسرة رهينة لهذا الحق رغم شرعيته من حيث اتخاذ قرارات سريعة أو أحكام ضد الزوجة أو حتى متاعب نفسية وغيرها، وعلى الرغم من أنَّ طلب التفريق عن طريق الخلع يتم بطلب من الزوجة إذا ثبتت المسوغات الشرعية، إلى جانب أنَّ إقدامها على هذا الأمر لا يستند إلى عنصر المزاجية في أكثر الحالات، إلاَّ أنَّها لا تتخذه إلاَّ تحت ضغوط نفسية صعبة، كما أنَّه تترتب عليه انعكاسات سلبية، وقد حذَّر خبراء ومرشدون أسريون وذوو اختصاص من تفاقم هذه القضية حفاظاً على الكيان الأسري، الذي هو عماد المجتمع.

نظرة المجتمع

وقالت “صفية”: “عندما طلبت الخلع من زوجي وكانت لي المسوغات الشرعية في ذلك، عانيت كثيراً من نظرة المجتمع لي ولأسرتي وأسرته، مع العلم أنَّ هذا الأمر هو من حقوق المرأة في الشرع والدين، إلاَّ أنَّني اندهشت من نظراتهم لي حول قضية الخلع، إذ بدا الأمر وكأنه محرم أو جريمة ارتكبت في حق زوجي المخلوع”، مشيرةً إلى أنَّ زميلاتها في العمل تفهّمن الأمر بشكلٍ أفضل.

وروت “مريم” قصة خلعها من زوجها، مُوضحةً أنَّ الخلافات اشتدت بينهما بعد زواج دام (10) سنوات تقريباً، مُشيرةً إلى أنَّها طالبته بالطلاق، بيد أنَّه رفض بشدة، كما أنَّه تزوج بأخرى، ومن ثمَّ بدأت الإهانات والتجريح والقهر النفسي، مُبيّنةً أنَّه اشترط عليها أن تدفع له مبلغ المهر مقابل طلاقها منه، إلى جانب إعادة جميع أثاثه وحاجياته، لافتةً إلى أنَّها رضخت للأمر الواقع مشترطة عليه أن تتولى حضانة أطفالها بنفسها.

قروض مالية

وأوضحت “لطيفة ” أنَّها صبرت مع زوجها مدة زادت على (12) عاماً، إلاَّ أنَّها ضاقت به ذرعاً ورفعت عليه قضية خلع، على الرغم من كونها كانت لا ترغب بالأمر من أجل عيون أولادها السبعة، مُشيرةً إلى أنَّ مشكلتها مع زوجها بدأت منذ أن حصلت على وظيفة، حيث بدأ يتكل عليها، لدرجة أنَّه كان لا يصرف عليها ولا على أبنائها، بل إنَّه حملها من القروض مالا طاقة لها به، موضحةً أنَّه كان يضربها بين الحين والآخر.

وأضافت أنَّ زوجها فاجأها بالزواج عليها بأخرى بعد أن اقترضت له مبلغاً من المال، فما كان منها حينذاك إلاَّ أن طلبت الخلع منه مقابل مبلغ مالي كبير، ومع ذلك فإنَّها ارتاحت نفسياً بعد أن تخلصت منه.

ضعف معنوي

وأشار “فارس اليحيى” -باحث قانوني بالمحكمة العامة بحائل-، إلى أنَّ الله عزَّ وجلّ قال في كتابه الكريم: “مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِ اللَّهِ أولياء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ”، مُضيفاً أنَّ ما يُقصد به في الآية الكريمة من وهن وضعف لبيت العنكبوت هو ليس في خيوط العنكبوت، لأنَّ هذه الخيوط تُعد أصلب الألياف الطبيعية على الإطلاق، بل يُقصد به ضعف ووهن معنوي، حيث تطلق العرب كلمة بيت أيضاً على الزوجة والأولاد.

وأضاف أنَّ ذلك يُثبت أنَّ بيت العنكبوت من الناحية المعنوية هو أوهن بيت على الإطلاق، فهو بيت محروم من معاني المودة والرحمة التي يقوم على أساسها كل بيت سعيد، موضحاً أنَّ الزواج في مجتمعنا غالباً ما يقوم على تكاليف باهظة واجتماعات وتشاورات واستفسارات يُعتقد من خلالها أنَّ الزواج قائم على أساس صلب ومتين، لكن ما إن يجتمع الزوجان تحت سقف واحد حتى يبدأ الوهن والضعف في بيت الزوجية، إلى أن يحدث الانفصال بأيّ وجه من الأوجه، سواءً طلاقا أو تعليقا أو خلعا أو فسخ نكاح.

إجراءات الخلع

وبيّن اليحيى أنَّ قضية الخلع يتمّ رفعها بالشكل الرسمي المعتاد لرفع القضايا، وذلك بالذهاب للمحكمة المختصة “محكمة الاحوال الشخصية” لتقديم الاوراق المطلوبة، على أن يُرفق معها -إذا وجد- إثباتات معتبرة يُبنى عليها الحكم بالخلع، ومن ثمَّ تُنظر الدعوى أمام القاضي، بحيث يُنظر لسبب الخلع بكونه لسبب جوهري أم لا؟، مُضيفاً أنَّ القاضي حينها إذا اقتنع بأسباب الخلع، فإنَّه يحكم بذلك مقابل عوض تقدمه المرأة للرجل.

ولفت إلى أنَّ مقدار العوض هذا يُقدِّره القاضي، وأحياناً يرى القاضي وجوب فسخ النكاح بدون عوض؛ نظراً لكون الأسباب مفصلية تمنع من استمرار الزواج حتى بدون عِوض، موضحاً أنَّ هناك حلولاً للتقليل من قضايا الخلع، لكنَّ الحل الوحيد هو عن طريق مشروع حكومي شامل يتبنى القضاء على هذه الظاهرة، بل ويضع أساس قوي ومتين للعلاقات الزوجية ظاهرياً ومعنوياً، بحيث يستمد هذا المشروع أهميته من خطورة النتائج المترتبة على التفكك الأسري وفشل العلاقات الزوجية.

منظور قانوني

وأكَّد “عمر الجنيدي” – محام -، على أنَّ المرأة من منظور قانوني متى كرهت العيش مع زوجها لأيّ سبب كان، حق لها أن تطلب الخلع وتبذل عوضاً قيمة المهر استدلالاً بحديث المصطفى -صلى الله عليه وسلم- في شأن زوجة “ثابت بن قيس” حين أرادت الخلع منه بعدما كرهت المقام معه، فسألها النبي -صلى الله عليه وسلم-: “هل هي راضية بأن تعيد لزوجها البستان الذي دفعه مهراً لها؟، فرضيت بذلك، وردت إليه البستان، فأمر بطلاقها”.

ودعا الجنيدي إلى اللجوء بعد الله إلى لجان إصلاح ذات البين والمختصين في المشكلات الأسرية لتقريب وجهات النظر وإيجاد ما يناسب الطرفين, موضحاً أنَّ الالتحاق بالدورات التدريبية في هذا المجال قبل وأثناء الزواج تساهم في التقليل من المشكلات الأسرية.

أعذار واهية

وقال “عبدالله العنزي” – مستشار ومدرب دولي محترف في تطوير الذات وبناء الثقة بالنفس-: “إنَّ الخلع أسلوب تستعمله المرأة كطريق أسهل للتخلص من العلاقة الزوجية، إذ يحق لها أن تستخدم هذا الحق عندما يكون هناك ما يُبرر طلب الطلاق”، مُضيفاً أنَّ الخُلع يُعدُّ أحد الحلول الشرعية للمشكلات الزوجية إذا انعدمت الحلول الممكنة لحلها، موضحاً أنَّ بعض النساء –للأسف- قد تستخدم الخلع لتتخلص من زوجها لأسباب تافهة أو أعذار واهية لا تستدعي فسخ هذه العلاقة الزوجية.

ونصح المرأة إلى اللجوء أولاً إلى الإصلاح ثمَّ إلى التحاكم في حال ظهور مشكلات أسرية يستحيل معها استمرار الحياة الزوجية، فإذا لم تجد حلاً لذلك، فإنَّ لها الحق بالمخالعة، فإذا لم يقبل الزوج الاتفاق مع زوجته بأن تدفع له مبلغا يتفقان عليه أقل أو أكثر من المهر، فإنَّ لها الحق باللجوء إلى القاضي وهو بدوره يأمر الزوج أن يخلع زوجته بقبول الاتفاق أو يخلعها بالقوّة.

أسباب الخلع

وأوضح العنزي أنَّ أسباب الخلع قد تكون مادية أو معنوية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أسرية، إلى جانب ضعف الوازع الديني وسوء خلق الزوج واللؤم بسوء معاشرة الزوجة، وكذلك إفشاء سر علاقتهما الحميمة وكراهية الزوجة لزوجها وعضل الزوج لزوجته، إضافةً إلى الفراغ العاطفي والفتور الأسري والتوتر في العلاقة الزوجية والشذوذ الجنسي وعدم عمل الزوج أو مكوثه في المنزل بدون سعي للعمل.

دورات تدريبية

وأضاف أنَّ هناك حالة لزوجة تطلب الخلع، لأنَّها حصلت على فرصة عمل مرموق، بيد أنَّ زوجها يرفض هذا العمل، موضحاً أنَّه لمَّا استدعى الزوج للتعرف على مسببات رفضه، قال له: “إنَّ العمل الجديد يقع في إمارة بعيدة عن مقر سكن الزوجية، ممَّا سيؤدي إلى استهلاكها في الذهاب والإياب، وبالتالي سيحرم طفليها الصغيرين من رعايتها، وأخرى طلبت الخلع من زوجها لأنَّه يُصرّ على أن يعيشا في بيت الزوجية الكائن في حيٍّ شعبي وهي تريد السكن في حيٍّ راقٍ.

ودعا إلى زيادة التثقيف المرئي والمسموع والمقروء، إلى جانب عمل حلقات تلفزيونية تناقش مثل هذه الأمور الأسرية، وكذلك عمل استبيان وأخذ رأي المجتمع بذلك وتحليل الدراسة، إضافةً إلى عمل زيارات توعوية للمدارس والجامعات والمعاهد للبنين والفتيات، وعقد دورات تدريبية للجنسين في تطوير الذات وحل المشكلات وبناء الثقة بالنفس، وعقد دورات مكثفة للمقبلين على الزواج، ومتابعتهم في السنة الأولى تحت دراسات أسرية من مختصين، مُقترحاً فتح مكاتب استشارات أسرية ونفسية واجتماعية واستقبال المستشارين الأسريين وعمل مواعيد لهم للاستشارات، سواءً هاتفية أو مكتبية.

مُبرِّر شرعي

وأكَّد “عيسى المطرودي” -رئيس محكمة القريات المكلف- على أنَّ طلب الخلع حق من حقوق المرأة إذا ضاق بها العيش مع زوجها ولأسباب ومبررات شرعية تتوافق مع الدين والمعقول، موضحاً أنَّ من أبرز أسباب الخلع الجهل أو التجاهل بالحقوق الزوجية و طغيان الماديات، إلى جانب التقليد الأعمى، وكذلك تدخُّل الاهل العاطفي، مُشيراً إلى أنَّه لا يحقّ للمرأة المطالبة بالخلع إلاَّ عند وجود مبرر شرعي يتعذر معه استمرار الحياة الزوجية.

2033 قضية خلع !

كشفت إحصاءات صادرة من وزارة العدل ومحاكم المناطق في المملكة أنَّ نسب قضايا الخلع بدأت تتزايد، حيث بلغت دعاوى الخلع في منطقة الرياض (326) حالة، وفي مكة المكرمة (921) حالة، وفي المدينة المنورة (37) حالة، وفي القصيم (65) حالة، وفي الشرقية (197) حالة، وفي منطقة عسير (90) حالة، وفي تبوك (36) حالة، وفي حائل (26) حالة، وفي منطقة الحدود الشمالية (19) حالة، وفي منطقة جازان (129) حالة، وفي منطقة نجران (23) حالة، وفي منطقة الباحة (25) حالة، وفي منطقة الجوف (139) حالة، أيَّ أنَّ ما مجموعه (2033) من حالات الخلع فقط كانت ما بين العامين (1435ه و 1436ه)، وهي تمثّل ما نسبته (47%) من القضايا المنظورة في قضايا الخلع المسجلة في محاكم المملكة، لتحقق معدلات كبيرة مقابل السنوات السابقة.

مقالات ذات صلة

اضف رد